الفيزياء والمعادلات

سلسلة تبسيط الفيزياء …

الفيزياء والمعادلات لعل أول درس في الجبر يتضمن التعبير عن متغير معين بالحرف س ( أو ) يجعل الطالب يشعر أنه في واد آخر من الدرس. ولعل الأستاذ إن لم يراع هذا الشعور وينتبه له ويعطيه كفايته من الشرح والتقريب إلى الأذهان، فإنه سيترك عند الطالب حاجزا يحول دون فهم الهدف والحكمة مما يدور، فيلجأ إلى البديل الوحيد والأسهل نوعا ما، والقائم على البصم، هي كذلك وانتهى. وهذه برأيي أول خطوة للانفصال بين الفهم والشغف والإقبال على العلوم (هنا الرياضيات ومن ثم الفيزياء بالدرجة الأولى) إلى أخذ الأمور كما تعطى له وإعادتها كما اختزنها، وهنا نقول وداعا للتفاعل وللتأثر والحماسة والإبداع. كمعلم، عندما أحسب مساحة المربع على أنه   فينبغي أن أتأكد أن الطلبة يفهمون تماما ويقبلون وليست لديهم أية مشكلة في قولي أن “طول الضلع مضروبا في نفسه يعطيني مساحة المربع”، أو في قولي أن ” مضروبة في نفسها تعطي أيضا مساحة المربع”. وبذلك فإن ليست سوى مساحة المربع.

أذكر أنني شخصيا فوجئت وكنت في الصف العاشر عندما قرأت نظرية فيثاغورس كالتالي: “مساحة المربع المرسوم على الوتر تساوي مجموع مساحتي المربعين المرسومين على الضلعين الآخرين للمثلث القائم”. فرغم أنني منذ الصف السادس أعرف نظرية فيثاغورس على أنها ، فقد أخذتني وقفة تأمل لأؤكد لنفسي أن هذان التعبيران هما فعلا لنظرية واحدة تسمى نظرية فيثاغورس. كانت الفترة الزمنية بين كل من التعبيرين هي 4 سنوات وربما لو لم أقع على التعريف المساحي لما ربطت هذين المفهومين حتى بعد إنهائي الدراسة الجامعية. ولا أرى غريبا أن يقف طالب ويعترض على تعبيرنا عن قانون أوم بخط مستقيم يرسم بيانيا بين محوري الجهد والتيار الكهربائيين. بالطبع هذا إن وقف وسأل وناقش، لأن الغالبية العظمى من الطلبة تكتفي بابتلاع ما يقال لها ثم يحاول كل منهم أن يعيد تفريغه على ورقة الامتحان تماما كما وصله، لينتهي من هذه القصة دون أن يلتفت وراءه. لنأخذ مثلا معادلة الحركة بخط مستقيم وبتسارع ثابت، التي تعبر عن الإزاحة بدلالة التسارع والزمن:

لقد أخذتني وقتا لأتقبل فكرة أن الإزاحة هي المساحة تحت الخط المستقيم الذي ميله التسارع والمرسوم بين محوري السرعة والزمن. وأن الحد الأول هو مساحة المستطيل الذي طوله الزمن وارتفاعه السرعة الابتدائية  بينما الحد الثاني هو مساحة المثلث الذي تقع قاعدته فوق المستطيل السابق، والذي قاعدته الزمن أيضا لكن ارتفاعه حاصل ضرب التسارع في الزمن. فالتعبير عن الإزاحة  بالمساحة تحت المنحنى كانت تقع بالنسبة لي في واد بعيد جدا عن معادلة الحركة المذكورة التي كنت أستخدمها وأطبقها كمعادلة جبرية أعوض فيها الأرقام المعطاة لأحصل على قيمة موجبة أو سالبة، وينتهي الأمر.

كذلك فإن التصور الفعلي لإزاحة جسم يتحرك بسرعة ثابتة وحدوث زيادة في هذه الإزاحة عند زيادة السرعة بشكل منتظم ( أي عند التسارع) هذا التصور في الغالب لا يتولد عند طلبة الصف التاسع وهم يحسبون إزاحة جسم بدأ الحركة بسرعة ابتدائية  وتحت تسارع ثابت لمدة من الزمن . فكل ما يهم هو الحصول على “رقم” لقيمة    ثم المضي قدما.

وحتى مناقشة معقولية هذا الرقم الناتج هو أمر لا يتوقف عنده الكثير من الطلبة، ولهذا فإننا عند التصحيح، نرى نتائج غريبة، بل لا منطقية نتيجة خطأ أو أكثر في الحساب، ومع ذلك فهي تترك دون تمحيص أو تدبر أو مراجعة لدى غالبية الطلبة.

وإذن فما هو المطلوب؟

المطلوب، مزيدا من التآلف والترابط بين الرموز والمعادلات من جهة، وبين الكميات والمتغيرات الفيزيائية الحقيقية من جهة أخرى. المطلوب هو اشتقاق المعادلات والقوانين من التجربة أو الرسم البياني أو حتى الفيديو الذي يبين الظاهرة لكي يتيقن الطالب ويدرك أن هذه المعادلة لم تستل من معادلة أخرى وبشكل جزافي، بل هي “وصف”، نعم وصف رياضي لظاهرة يراها تتشكل أمام عينيه كما في حالة الصيغة المساحية لنظرية فيثاغورس.

صحيح أن ذلك ربما يكون صعبا عندما يتوجب على المعلم أن يغطي محتوى كبيرا في وقت محدد من الفصل، لكن هذا لا ينبغي أن يؤخذ كممارسة لازمة في كل مراحل التعليم. بل يكفي أن تزرع مهارة ربط المعادلات بالواقع في الصفوف المبكرة من تعليم العلوم والرياضيات، مثلا في الصف الخامس والسادس، ولتأخذ وقتا أطول ولتعط عناية أكبر، وسوف تجد أن هذه المهارة أصبحت تلازم الطالب في الصفوف اللاحقة وسوف يمكنه قراءة المعادلات والقوانين بعدها بشكل مختلف يكون أقرب إلى استقصاء الظاهرة التي يعبر عنها القانون وصولا إلى المزاوجة المرغوبة بين الصيغ والمعادلات الرياضية وبين صورها الحقيقية الفيزيائية على أرض الواقع. ومثال واضح على ذلك معادلات توصيل المقاومات على التوالي والتوازي، وتحكمها في شدة التيار الكهربائي المار في التفرعات وتوزيع الجهد على أجزاء الفرع الواحد من دائرة التوازي وصولا إلى قانوني كيرشوف اللذان أظن أن الغالبية العظمى من الطلبة تود لو يتم حذفهما من الوجود بأسره.

محمد عوض الله