المفاهيم النظرية .. كيف ولماذا

عندما بدأت دراسة الرياضيات المعاصرة في الصف العاشر، قبل أكثر من أربعين عاما، كان أول مفهوم درسناه هو الاقترانات. ولأول مرة أرى التعبير الرياضي ق(س) الذي كان من المفترض أن يقرأ أن ق هي اقتران في س. لكن ماذا يعني ذلك؟ أخذتني هذه المسألة حوالي سنتين لأفهم ماذا تعني في الواقع. وخلال ذلك، ماذا كان الحال؟ كان الأمر خذها كما هي، وامش في كل المسائل كما هو مطلوب. ليس المهم أن تفهم، أو أن تدرك المغزى العميق لها، ببساطة لأنه لا وقت لذلك، ولن يقف أحد ليناقش معك فلسفة هذا التعريف، وكيفية بنائه واستخدامه. بالأحرى عليك أن تبحث بنفسك وتفكر وتنحت في الصخر لكي تستوعب تماما المعنى العميق لكلمة اقتران. ثم ضع فوق ذلك الفرق بين مفهومي العلاقة والاقتران، ثم كون الاقتران واحد لواحد أم لا، وإن كان له معكوس والفرق بين المعكوس والمقلوب، وكيف يختلفان ولماذا؟ كان طرح مثل هذه الأسئلة يعد فلسفة، وفذلكة، ولا يقابل من المعلم بطريقة إيجابية، ما يدفع الطالب لأن يتوقف عن التفكير في هذه الأسئلة فضلا عن طرحها. 

من هنا يبدأ الانفكاك بين الطالب وبين علم الرياضيات، وتبدأ بالأفول تلك العلاقة الجميلة، التي بدأت بالحساب، الأعداد الجميلة والجمع والضرب، ثم الهندسة والمثلثات والدائرة، المساحات والحجوم، وحتى الجبر والمعادلات الخطية وحتى التربيعية. لأن كل هذه الموضوعات لا تحتاج إلى تفكير تجريدي، ذلك الذي يجب أن يكون في مخيلتك كتصور ضمني معين لما بنيت عليه، وأن تبقي هذا التصور حاضرا وأنت تعمل عليها. وكلها يمكن التعامل معها كموضوعات ذات بعد واحد، أبيض أوأسود. لكن ما أن تخطو خطوة جديدة نحو الموضوعات التجريدية، مثل ما كان يسمى الرياضيات المعاصرة تبرز الحاجة إلى توضيح سلس ومقنع، لماذا ابتدعنا فكرة مثل الاقتران، أو المشتقة، أو المتغير العشوائي؛ أو كما في الفيزياء دالة الموجة، أو التوزيع الاحتمالي في ميكانيكا الكم؛ أو اقتران التجزئة، أو الانتروبي في الميكانيكا الإحصائية؛ أو الفضاء المقلوب، أو فضاء الزخم في فيزياء الحالة الصلبة.

كثير من هذه المفاهيم استغرقني شهورا وأحيانا سنوات من التفكير والبحث والنقاش حتى هضمتها، وكنت مدفوعا برغبة شديدة في فهمها والغوص في عمقها وكنهها، وشغف لا ينتهي بالإحاطة بها وجعلها في عداد الأدوات التي يمكنني استخدامها بل واللعب بها وأنا أخوض غمار بحر الفيزياء العظيم. لكن التساؤل الذي لا يفارقني وأنا أمارس التعليم منذ أكثر من ثلاثين عاما، كم من الطلبة الذين كان مسارهم يومئ لمستقبل علمي حقيقي باهر، وعطاء يفيد البشرية بشكل هائل، قد تساقطوا وتخلوا عن هذا المسار وتحولوا إلى مجالات لا يحبونها ولا تخاطب شغفهم، لكنهم يستطيعون امتلاك ناصيتها لكسب عيشهم، وإكمال حياتهم. أنا على الأقل أعرف حفنة من هؤلاء أيام الصبا، وأفتقد ما كانوا سيصبحون عليه لو قدمت لهم هذه الموضوعات بطريقة سلسة مقنعة. 

من هنا سأحاول تغطية بعض هذه المساحات الصغيرة مما يمكن أن يحقق لبعض هؤلاء الطلبة في مراحلهم المبكرة إشباع بعض شغفهم، والباقي أتركه لمساهمات من يود من الإخوة والأخوات.. 

   



unriyo