..ماذا الآن
بعد كل ما نرى ونسمع حولنا من احتدام للصراع والاعتداءات وسقوط مفاهيم القانون و”العدالة” الدولية، ودخول شريعة الغاب حيز التطبيق، ولحين عودة البشرية إلى ما انتهت اليه قبل هذا السقوط، أرى أن الأحرى بكل منا أن يعمل فيما يمكن له أن يكون مؤثرا في مجاله ليكون في خدمة البشرية الآن أو بعد عودتها المرجوة لرشدها.
وقد حاولت خلال الفترة الماضية أن لا يدلو لي دلو في الإفتاء أو التحليل أو الاجتهاد السياسي أو الديني كما يفعل الكثيرون، أن الساحة تمتلئ بهؤلاء ممن يعلم ومن لا يعلم، والذين لا أظنني أداني أيا منهم من كلا الفريقين.
ما أود الذهاب إليه هنا هو التركيز على تعليم العلوم والرياضيات في الوطن العربي، الذي أرى أنه قد أخذ نصيبة الوافر من التدهور والتدمير، بفعل الفاعلين، وبإهمال المهملين، وربما الأسوأ من ذلك والأعم، بتوسيد الأمر إلى غير أهله. لقد أصبح من نافلة القول في أي حديث عن التعليم، الإقرار بكراهية الطلبة عموما للفيزياء والرياضيات، وامتدت هذه الكراهية لتطال الأهل والمجتمع. ولا أدعي أن هذا الحال البائس هو خاصة اختصت بها الأمة العربية، لكنها الآن آفة تضرب الطلبة وأهليهم في معظم أصقاع الأرض، في زمن لم تعرف البشرية حاجة أكثر للمهندسين والعلماء، حيث قفز كل شيء في حياتنا ليصبح مسيرا بالتكنولوجيا. وما هي التكنولوجيا بدون العلوم (خاصة الفيزياء) والرياضيات؟!
وبرزت مؤخرا منصات الذكاء الصناعي، وظن البعض أن هذه ستبتلع كل شيئ ثم تعطينا كل شيء، وبهذا لن تعود هناك حاجة إلى مهندسين أو علماء، لكن الواقع هو أن الذكاء الصناعي نجح إلى حد بعيد في الوقوف إلى يمين المهندسين والعلماء مساعدا خارقا، ومسهلا لأعمالهم، لكنه أبدا لم يستطع أن يملأ مكانهم أو أن يقوم بنفسه بدورهم، الدور الذي يستند على الإبداع والابتداع الإنساني، الذي يتغذى على الطموحات وتقوده التطلعات البشرية للوصول لما هو أفضل وأنفع لسعادة وازدهار الجنس البشري والإنسانية عموما.
الخلاصة أننا سنظل بحاجة لزراعة العلوم والرياضيات ورعاية نموها في العقول المبدعة من شبابنا بطريقة محببة ممتعة مثمرة، بعيدا عن كل ما تقوم به الوزارات والذي هو في الغالب قائم على رؤى مستمدة من القرارات والاستراتيجيات المزرية التي تسير فيها بشؤوننا نحو المجهول. يتطلب الأمر جهودا من الإخوة والأخوات المختصين ممن لديهم الرغبة والخبرة والقدرة على تقديم العلوم بطرق جذابة سلسة مقنعة للجيل، والوسائل اليوم، بعيدا عن المناهج الحكومية، كثيرة متنوعة وفي متناول الجميع. وسوف تظهر النتائج عندئذ إبداعات لا حصر لها بإذن الله.
محمد عوض الله
